وعد العبدالله
24-04-2005, 04:15 PM
أصول الحوار وآدابه في الإسلام
http://xalqassimx.jeeran.com/subhan1.gif
http://stopfree2006.jeeran.com/quran.gif
توطئة
أحمد الله تبارك وتعالى ، وأصلي وأسلم على رسوله
وخيرته من خلقه ، ومصطفاه من رسله سيدنا
محمد رسول الله ، بعثه بالحق بشيراً ونذيراً ،
فبلغ الرسالة ، وأَدّى الأمانة ، ونصح الأمة ،
وجعلنا على المحجة البيضاء ، ليلها كنهارها
لا يزيغ عنها إلا هالك ، صلى الله وسلم وبارك عليه ،
وعلى آله الطيبين الطاهرين ، وعلى أزواجه
أمهات المؤمنين وعلى أصحابه أجمعين والتابعين
ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين
أما بعد أيها الأخوة و الأخوات الكرام :
هذه كلمات في أدب الحوار مُشتمِلَةٌ العناصر التالية :
تعريف الحوار وغايته ، ثم تمهيد في وقوع الخلاف
في الرأي بين الناس ، ثم بيان لمُجمل أصول
الحوار ومبادئه ، ثم بسط لآدابه وأخلاقياته .
سائلاً المولى العلي القدير التسديد والقبول ..
تعريف
الحوار :
من المُحاورة ؛ وهي المُراجعة في الكلام .
الجدال :
من جَدَلَ الحبل إذا فَتَلَه ؛ وهو مستعمل في الأصل
لمن خاصم بما يشغل عن ظهور الحق
ووضوح الصواب ، ثم استعمل في مُقابَلَة الأدلة لظهور أرجحها .
والحوار والجدال ذو دلالة واحدة ، وقد اجتمع اللفظان
في قوله تعالى :
{ قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي
إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ }
(المجادلة:1)
ويراد بالحوار والجدال في مصطلح الناس :
مناقشة بين طرفين أو أطراف ، يُقصد بها تصحيح كلامٍ ،
وإظهار حجَّةٍ ، وإثبات حقٍ ، ودفع شبهةٍ ، وردُّ الفاسد من القول والرأي .
وقد يكون من الوسائل في ذلك : الطرق المنطقية والقياسات الجدليَّة
من المقدّمات والمُسلَّمات ، مما هو مبسوط في كتب المنطق
وعلم الكلام وآداب البحث والمناظرة وأصول الفقة .
غاية الحوار
الغاية من الحوار إقامةُ الحجة ، ودفعُ الشبهة والفاسد
من القول والرأي . فهو تعاون من المُتناظرين على معرفة
الحقيقة والتَّوصُّل إليها ، ليكشف كل طرف ما خفي
على صاحبه منها ، والسير بطرق الاستدلال الصحيح
للوصول إلى الحق . يقول الحافظ الذهبي :
( إنما وضعت المناظرة لكشف الحقِّ ، وإفادةِ العالِم
الأذكى العلمَ لمن دونه ، وتنبيهِ الأغفلَ الأضعفَ ) .
هذه هي الغاية الأصلية ، وهي جليَّة بيِّنة ،
وثَمَّت غايات وأهداف فرعية أو مُمهِّدة لهذا الغاية منها :
- إيجاد حلٍّ وسط يُرضي الأطراف .
- التعرُّف على وجهات نظر الطرف
أو الأطراف الأخرى ، وهو هدف تمهيدي هام .
- البحث والتنقيب ، من أجل الاستقصاء والاستقراء
في تنويع الرُّؤى والتصورات المتاحة ، من أجل
الوصول إلى نتائج أفضل وأمْكَنَ ، ولو في حوارات تالية .
وقوع الخلاف بين الناس
الخلاف واقع بين الناس في مختلف الأعصار
والأمصار ، وهو سنَّة الله في خلقه ،
فهم مختلفون في ألوانهم وألسنتهم وطباعهم
ومُدركاتهم ومعارفهم وعقولهم ، وكل ذلك آية
من آيات الله ، نبَّه عليه القرآن الكريم
في قوله تعالى :
{ وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ
وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْعَالِمِينَ } (الروم:22)
وهذا الاختلاف الظاهريّ دالُّ على الاختلاف في الآراء
والاتجاهات والأعراض . وكتاب الله العزيز يقرر هذا
في غير ما آية ؛ مثل قوله سبحانه :
{ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118)
إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ } (هود:119) .
يقول الفخر الرازي : ( والمراد اختلاف
الناس في الأديان والأخلاق والأفعال ) .
ومن معنى الآية : لو شاء الله جعل الناس على دين واحد
بمقتضى الغريزة والفطرة .. لا رأي لهم فيه ولا اختيار ..
وإِذَنْ لما كانوا هذا النوع من الخلق المُسمّى البشر ؛
بل كانوا في حيلتهم الاجتماعية كالنحل أو كالنمل ،
ولكانوا في الرّوح كالملائكة ؛ مفطورين على اعتقاد
الحقِّ والطاعة ؛ لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ،
لا يقع بينهم اختلاف ولا تنازع . ولكنّ الله خلقهم بمقتضى
حكمته كاسبين للعلم لا مُلْهَمين . عاملين بالاختيار ،
وترجيح بعض المُمْكنات المتعارضات على بعض ؛
لا مجبورين ولا مضطرين . وجعلهم متفاوتين
في الاستعداد وكسب العلم واختلاف الاختيار .
أما قوله تعالى : { وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ } (هود:119) .
فلتعلموا أن اللام ليست للغاية ؛ فليس المُراد أنه سبحانه
خلقهم ليختلفوا ، إذ من المعلوم أنه خلقهم لعبادته وطاعته .
وإنما اللام للعاقبة والصَّيْرورة ؛ أي لثمرة الاختلاف خلقهم ،
وثمرته أن يكونوا فريقين : فريقاً في الجنة ، وفريقاً في السعير .
وقدّ تُحْملُ على التعليل من وجه آخر ، أي خلقهم ليستعدَّ
كلٌ منهم لشأنٍ وعمل ، ويختار بطبعه أمراً وصنعة ،
مما يَسْتَتِبُّ به نظام العالم ويستقيم به أمر المعاش ،
فالناس محامل لأمر الله ، ويتخذ بعضهم يعضاً سخرياً .
خلقوا مستعدين للاختلاف والتفرق في علومهم ومعارفهم
وآرائهم ومشاعرهم ، وما يتبع ذلك من إراداتهم واختيارهم
في أعمالهم ، ومن ذلك الإيمان ، والطاعة والمعصية .
وضوح الحق وجلاؤه
وعلى الرغم من حقيقة وجود هذا التَّبايُن بين الناس ؛
في عقولهم ومُدركاتهم وقابليتهم للاختلاف ،
إلا أن الله وضع على الحقِّ معالمَ ، وجعل على الصراط
المستقيم منائرَ .. وعليه حُمِلَ الاستثناء في الآية
في قوله : { إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ } (هود:119) .
وهو المنصوص عليه في الآية الأخرى في قوله :
{ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ }
(البقرة:213) .
وذلك أن النفوس إذا تجرَّدت من أهوائها ،
وجدَّت في تَلَمُّس الحقِّ فإنها مَهْديَّةٌ إليه ؛
بل إنّ في فطرتها ما يهديها ، وتأمَّل ذلك
في قوله تعالى :
{ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ
عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ
وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ } (الروم:30) .
ومنه الحديث النبوي :
(( ما من مولود إلا يُولدُ على الفِطْرة ، فأبواه يُهوّدانه ،
ويُنَصِّرانه ، ويُمجِّسانه ، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء ،
هل تُحِسّون فيها من جَدْعاء حتى أنتم تجدعونها ؟ )) .
ويُوضح ذلك ، أن أصول الدين ، وأمَّهات الفضائل ،
وأمَّهات الرذائل ، مما يتفق العالم الرشيد العاقل
على حُسْن محموده وحمده ، والاعتراف بعظيم نفعه ،
وتقبيح سيِّئه وذمِّه . كل ذلك في عبارات جليَّة واضحة ،
ونصوصِ بينِّة لا تقبل صرفاً ولا تأويلاً ولا جدلاً ولا مراءاً .
وجعلها أمّ الكتاب التي يدور عليها وحولها كل ما جاء
فيه من أحكام ، ولم يُعذَرْ أحد في الخروج عليها ،
وحَذَّر من التلاعب بها ، وتطويعها للأهواء والشهوات والشبهات
بتعسف التأويلات والمُسوِّغات ، مما سنذكره كأصل
من أصول الحوار ، ورفع الحرج عنهم ، بل جعل للمخطيء
أجراً وللمصيب أجرين تشجيعاً للنظر والتأمل ،
وتَلَمُّس الحقّ واستجلاء المصالح الراجحة للأفراد والجماعات .
ولربك في ذلك الحكمة البالغة والمشيئة النافذة .
مواطن الاتفاق
إنّ بِدْءَ الحديث والحوار بمواطن الاتفاق طريق إلى كسب
الثقة وفُشُوِّ روح التفاهم . ويصير به الحوار هادئاً وهادفاً .
الحديث عن نقاط الاتفاق وتقريرها يفتح آفاقاً من التلاقي
والقبول والإقبال ، مما يقلّل الجفوة ويردم الهُوَّة ويجعل
فرص الوفاق والنجاح أفضل وأقرب ،
كما يجعل احتمالات التنازع أقل وأبعد .
والحال ينعكس لو استفتح المُتحاورون بنقاط الخلاف
وموارد النزاع ، فلذلك يجعل ميدان الحوار ضيقاً
وأمده قصيراً ، ومن ثم يقود إلى تغير القلوب
وتشويش الخواطر ، ويحمل كل طرف على التحفُّز
في الرد على صاحبه مُتتبِّعاً لثغراته وزَلاته ،
ومن ثم ينبري لإبرازها وتضخيمها ، ومن ثم يتنافسون
في الغلبة أكثر مما يتنافسون في تحقيق الهدف .
ومما قاله بعض المُتمرّسين في هذا الشأن :
دَعْ صاحبك في الطرف الآخر يوافق ويجيب بـ ( نعم ) ،
وحِلْ ما استطعت بينه وبين ( لا ) ؛ لأن كلمة ( لا ) عقبة
كؤود يصعب اقتحامها وتجاوزها ،
فمتى قال صاحبك : ( لا ) ؛
أوجَبَتْ عليه كبرياؤه أن يظلّ مناصراً لنفسه .
إن التلفظ بـ ( لا ) ليس تفوُّها مجرداً بهذين الحرفين ،
ولكنه تَحفُّز لكيان الإنسان بأعصابه وعضلاته وغدده ،
إنه اندفاع بقوة نحو الرفض ،
أما حروف ( نعم ) فكلمة سهلة رقيقة
رفيقة لا تكلف أي نشاط جسماني ( 5 ) .
ويُعين على هذا المسلك ويقود إليه ؛
إشعارك مُحدثَّك بمشاركتك له في بعض قناعاته ؛
والتصريح بالإعجاب بأفكاره الصحيحة وأدلته الجيدة
ومعلوماته المفيدة ، وإعلان الرضا والتسليم بها .
وهذا كما سبق يفتح القلوب ويُقارب الآراء ،
وتسود معه روح الموضوعية والتجرد .
وقد قال علماؤنا : إن أكثر الجهل إنما يقع في النفي ؛
الذي هو الجحود والتكذيب ؛ لا في الإثبات ،
لأن إحاطة الإنسان بما يُثْبتُه أيسر من إحاطته بما ينفيه ؛
لذا فإن أكثر الخلاف الذي يُورث الهوى نابع ؛
من أن كل واحد من المختلفين مصيب فيما يُثْبته
أو في بعضه ، مخطيء في نفي ما عليه الآخر .
يـــتــــــبــــــع
وعد العبدالله
http://xalqassimx.jeeran.com/subhan1.gif
http://stopfree2006.jeeran.com/quran.gif
توطئة
أحمد الله تبارك وتعالى ، وأصلي وأسلم على رسوله
وخيرته من خلقه ، ومصطفاه من رسله سيدنا
محمد رسول الله ، بعثه بالحق بشيراً ونذيراً ،
فبلغ الرسالة ، وأَدّى الأمانة ، ونصح الأمة ،
وجعلنا على المحجة البيضاء ، ليلها كنهارها
لا يزيغ عنها إلا هالك ، صلى الله وسلم وبارك عليه ،
وعلى آله الطيبين الطاهرين ، وعلى أزواجه
أمهات المؤمنين وعلى أصحابه أجمعين والتابعين
ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين
أما بعد أيها الأخوة و الأخوات الكرام :
هذه كلمات في أدب الحوار مُشتمِلَةٌ العناصر التالية :
تعريف الحوار وغايته ، ثم تمهيد في وقوع الخلاف
في الرأي بين الناس ، ثم بيان لمُجمل أصول
الحوار ومبادئه ، ثم بسط لآدابه وأخلاقياته .
سائلاً المولى العلي القدير التسديد والقبول ..
تعريف
الحوار :
من المُحاورة ؛ وهي المُراجعة في الكلام .
الجدال :
من جَدَلَ الحبل إذا فَتَلَه ؛ وهو مستعمل في الأصل
لمن خاصم بما يشغل عن ظهور الحق
ووضوح الصواب ، ثم استعمل في مُقابَلَة الأدلة لظهور أرجحها .
والحوار والجدال ذو دلالة واحدة ، وقد اجتمع اللفظان
في قوله تعالى :
{ قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي
إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ }
(المجادلة:1)
ويراد بالحوار والجدال في مصطلح الناس :
مناقشة بين طرفين أو أطراف ، يُقصد بها تصحيح كلامٍ ،
وإظهار حجَّةٍ ، وإثبات حقٍ ، ودفع شبهةٍ ، وردُّ الفاسد من القول والرأي .
وقد يكون من الوسائل في ذلك : الطرق المنطقية والقياسات الجدليَّة
من المقدّمات والمُسلَّمات ، مما هو مبسوط في كتب المنطق
وعلم الكلام وآداب البحث والمناظرة وأصول الفقة .
غاية الحوار
الغاية من الحوار إقامةُ الحجة ، ودفعُ الشبهة والفاسد
من القول والرأي . فهو تعاون من المُتناظرين على معرفة
الحقيقة والتَّوصُّل إليها ، ليكشف كل طرف ما خفي
على صاحبه منها ، والسير بطرق الاستدلال الصحيح
للوصول إلى الحق . يقول الحافظ الذهبي :
( إنما وضعت المناظرة لكشف الحقِّ ، وإفادةِ العالِم
الأذكى العلمَ لمن دونه ، وتنبيهِ الأغفلَ الأضعفَ ) .
هذه هي الغاية الأصلية ، وهي جليَّة بيِّنة ،
وثَمَّت غايات وأهداف فرعية أو مُمهِّدة لهذا الغاية منها :
- إيجاد حلٍّ وسط يُرضي الأطراف .
- التعرُّف على وجهات نظر الطرف
أو الأطراف الأخرى ، وهو هدف تمهيدي هام .
- البحث والتنقيب ، من أجل الاستقصاء والاستقراء
في تنويع الرُّؤى والتصورات المتاحة ، من أجل
الوصول إلى نتائج أفضل وأمْكَنَ ، ولو في حوارات تالية .
وقوع الخلاف بين الناس
الخلاف واقع بين الناس في مختلف الأعصار
والأمصار ، وهو سنَّة الله في خلقه ،
فهم مختلفون في ألوانهم وألسنتهم وطباعهم
ومُدركاتهم ومعارفهم وعقولهم ، وكل ذلك آية
من آيات الله ، نبَّه عليه القرآن الكريم
في قوله تعالى :
{ وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ
وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْعَالِمِينَ } (الروم:22)
وهذا الاختلاف الظاهريّ دالُّ على الاختلاف في الآراء
والاتجاهات والأعراض . وكتاب الله العزيز يقرر هذا
في غير ما آية ؛ مثل قوله سبحانه :
{ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118)
إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ } (هود:119) .
يقول الفخر الرازي : ( والمراد اختلاف
الناس في الأديان والأخلاق والأفعال ) .
ومن معنى الآية : لو شاء الله جعل الناس على دين واحد
بمقتضى الغريزة والفطرة .. لا رأي لهم فيه ولا اختيار ..
وإِذَنْ لما كانوا هذا النوع من الخلق المُسمّى البشر ؛
بل كانوا في حيلتهم الاجتماعية كالنحل أو كالنمل ،
ولكانوا في الرّوح كالملائكة ؛ مفطورين على اعتقاد
الحقِّ والطاعة ؛ لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ،
لا يقع بينهم اختلاف ولا تنازع . ولكنّ الله خلقهم بمقتضى
حكمته كاسبين للعلم لا مُلْهَمين . عاملين بالاختيار ،
وترجيح بعض المُمْكنات المتعارضات على بعض ؛
لا مجبورين ولا مضطرين . وجعلهم متفاوتين
في الاستعداد وكسب العلم واختلاف الاختيار .
أما قوله تعالى : { وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ } (هود:119) .
فلتعلموا أن اللام ليست للغاية ؛ فليس المُراد أنه سبحانه
خلقهم ليختلفوا ، إذ من المعلوم أنه خلقهم لعبادته وطاعته .
وإنما اللام للعاقبة والصَّيْرورة ؛ أي لثمرة الاختلاف خلقهم ،
وثمرته أن يكونوا فريقين : فريقاً في الجنة ، وفريقاً في السعير .
وقدّ تُحْملُ على التعليل من وجه آخر ، أي خلقهم ليستعدَّ
كلٌ منهم لشأنٍ وعمل ، ويختار بطبعه أمراً وصنعة ،
مما يَسْتَتِبُّ به نظام العالم ويستقيم به أمر المعاش ،
فالناس محامل لأمر الله ، ويتخذ بعضهم يعضاً سخرياً .
خلقوا مستعدين للاختلاف والتفرق في علومهم ومعارفهم
وآرائهم ومشاعرهم ، وما يتبع ذلك من إراداتهم واختيارهم
في أعمالهم ، ومن ذلك الإيمان ، والطاعة والمعصية .
وضوح الحق وجلاؤه
وعلى الرغم من حقيقة وجود هذا التَّبايُن بين الناس ؛
في عقولهم ومُدركاتهم وقابليتهم للاختلاف ،
إلا أن الله وضع على الحقِّ معالمَ ، وجعل على الصراط
المستقيم منائرَ .. وعليه حُمِلَ الاستثناء في الآية
في قوله : { إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ } (هود:119) .
وهو المنصوص عليه في الآية الأخرى في قوله :
{ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ }
(البقرة:213) .
وذلك أن النفوس إذا تجرَّدت من أهوائها ،
وجدَّت في تَلَمُّس الحقِّ فإنها مَهْديَّةٌ إليه ؛
بل إنّ في فطرتها ما يهديها ، وتأمَّل ذلك
في قوله تعالى :
{ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ
عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ
وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ } (الروم:30) .
ومنه الحديث النبوي :
(( ما من مولود إلا يُولدُ على الفِطْرة ، فأبواه يُهوّدانه ،
ويُنَصِّرانه ، ويُمجِّسانه ، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء ،
هل تُحِسّون فيها من جَدْعاء حتى أنتم تجدعونها ؟ )) .
ويُوضح ذلك ، أن أصول الدين ، وأمَّهات الفضائل ،
وأمَّهات الرذائل ، مما يتفق العالم الرشيد العاقل
على حُسْن محموده وحمده ، والاعتراف بعظيم نفعه ،
وتقبيح سيِّئه وذمِّه . كل ذلك في عبارات جليَّة واضحة ،
ونصوصِ بينِّة لا تقبل صرفاً ولا تأويلاً ولا جدلاً ولا مراءاً .
وجعلها أمّ الكتاب التي يدور عليها وحولها كل ما جاء
فيه من أحكام ، ولم يُعذَرْ أحد في الخروج عليها ،
وحَذَّر من التلاعب بها ، وتطويعها للأهواء والشهوات والشبهات
بتعسف التأويلات والمُسوِّغات ، مما سنذكره كأصل
من أصول الحوار ، ورفع الحرج عنهم ، بل جعل للمخطيء
أجراً وللمصيب أجرين تشجيعاً للنظر والتأمل ،
وتَلَمُّس الحقّ واستجلاء المصالح الراجحة للأفراد والجماعات .
ولربك في ذلك الحكمة البالغة والمشيئة النافذة .
مواطن الاتفاق
إنّ بِدْءَ الحديث والحوار بمواطن الاتفاق طريق إلى كسب
الثقة وفُشُوِّ روح التفاهم . ويصير به الحوار هادئاً وهادفاً .
الحديث عن نقاط الاتفاق وتقريرها يفتح آفاقاً من التلاقي
والقبول والإقبال ، مما يقلّل الجفوة ويردم الهُوَّة ويجعل
فرص الوفاق والنجاح أفضل وأقرب ،
كما يجعل احتمالات التنازع أقل وأبعد .
والحال ينعكس لو استفتح المُتحاورون بنقاط الخلاف
وموارد النزاع ، فلذلك يجعل ميدان الحوار ضيقاً
وأمده قصيراً ، ومن ثم يقود إلى تغير القلوب
وتشويش الخواطر ، ويحمل كل طرف على التحفُّز
في الرد على صاحبه مُتتبِّعاً لثغراته وزَلاته ،
ومن ثم ينبري لإبرازها وتضخيمها ، ومن ثم يتنافسون
في الغلبة أكثر مما يتنافسون في تحقيق الهدف .
ومما قاله بعض المُتمرّسين في هذا الشأن :
دَعْ صاحبك في الطرف الآخر يوافق ويجيب بـ ( نعم ) ،
وحِلْ ما استطعت بينه وبين ( لا ) ؛ لأن كلمة ( لا ) عقبة
كؤود يصعب اقتحامها وتجاوزها ،
فمتى قال صاحبك : ( لا ) ؛
أوجَبَتْ عليه كبرياؤه أن يظلّ مناصراً لنفسه .
إن التلفظ بـ ( لا ) ليس تفوُّها مجرداً بهذين الحرفين ،
ولكنه تَحفُّز لكيان الإنسان بأعصابه وعضلاته وغدده ،
إنه اندفاع بقوة نحو الرفض ،
أما حروف ( نعم ) فكلمة سهلة رقيقة
رفيقة لا تكلف أي نشاط جسماني ( 5 ) .
ويُعين على هذا المسلك ويقود إليه ؛
إشعارك مُحدثَّك بمشاركتك له في بعض قناعاته ؛
والتصريح بالإعجاب بأفكاره الصحيحة وأدلته الجيدة
ومعلوماته المفيدة ، وإعلان الرضا والتسليم بها .
وهذا كما سبق يفتح القلوب ويُقارب الآراء ،
وتسود معه روح الموضوعية والتجرد .
وقد قال علماؤنا : إن أكثر الجهل إنما يقع في النفي ؛
الذي هو الجحود والتكذيب ؛ لا في الإثبات ،
لأن إحاطة الإنسان بما يُثْبتُه أيسر من إحاطته بما ينفيه ؛
لذا فإن أكثر الخلاف الذي يُورث الهوى نابع ؛
من أن كل واحد من المختلفين مصيب فيما يُثْبته
أو في بعضه ، مخطيء في نفي ما عليه الآخر .
يـــتــــــبــــــع
وعد العبدالله