المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أصول الحوار وآدابه في الإسلام


وعد العبدالله
24-04-2005, 04:15 PM
أصول الحوار وآدابه في الإسلام
http://xalqassimx.jeeran.com/subhan1.gif

http://stopfree2006.jeeran.com/quran.gif

توطئة


أحمد الله تبارك وتعالى ، وأصلي وأسلم على رسوله
وخيرته من خلقه ، ومصطفاه من رسله سيدنا
محمد رسول الله ، بعثه بالحق بشيراً ونذيراً ،
فبلغ الرسالة ، وأَدّى الأمانة ، ونصح الأمة ،
وجعلنا على المحجة البيضاء ، ليلها كنهارها
لا يزيغ عنها إلا هالك ، صلى الله وسلم وبارك عليه ،
وعلى آله الطيبين الطاهرين ، وعلى أزواجه
أمهات المؤمنين وعلى أصحابه أجمعين والتابعين
ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين


أما بعد أيها الأخوة و الأخوات الكرام :


هذه كلمات في أدب الحوار مُشتمِلَةٌ العناصر التالية :


تعريف الحوار وغايته ، ثم تمهيد في وقوع الخلاف
في الرأي بين الناس ، ثم بيان لمُجمل أصول
الحوار ومبادئه ، ثم بسط لآدابه وأخلاقياته .
سائلاً المولى العلي القدير التسديد والقبول ..




تعريف

الحوار :


من المُحاورة ؛ وهي المُراجعة في الكلام .


الجدال :


من جَدَلَ الحبل إذا فَتَلَه ؛ وهو مستعمل في الأصل
لمن خاصم بما يشغل عن ظهور الحق
ووضوح الصواب ، ثم استعمل في مُقابَلَة الأدلة لظهور أرجحها .
والحوار والجدال ذو دلالة واحدة ، وقد اجتمع اللفظان
في قوله تعالى :
{ قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي
إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ }
(المجادلة:1)
ويراد بالحوار والجدال في مصطلح الناس :
مناقشة بين طرفين أو أطراف ، يُقصد بها تصحيح كلامٍ ،
وإظهار حجَّةٍ ، وإثبات حقٍ ، ودفع شبهةٍ ، وردُّ الفاسد من القول والرأي .
وقد يكون من الوسائل في ذلك : الطرق المنطقية والقياسات الجدليَّة
من المقدّمات والمُسلَّمات ، مما هو مبسوط في كتب المنطق
وعلم الكلام وآداب البحث والمناظرة وأصول الفقة .



غاية الحوار


الغاية من الحوار إقامةُ الحجة ، ودفعُ الشبهة والفاسد
من القول والرأي . فهو تعاون من المُتناظرين على معرفة
الحقيقة والتَّوصُّل إليها ، ليكشف كل طرف ما خفي
على صاحبه منها ، والسير بطرق الاستدلال الصحيح
للوصول إلى الحق . يقول الحافظ الذهبي :
( إنما وضعت المناظرة لكشف الحقِّ ، وإفادةِ العالِم
الأذكى العلمَ لمن دونه ، وتنبيهِ الأغفلَ الأضعفَ ) .
هذه هي الغاية الأصلية ، وهي جليَّة بيِّنة ،
وثَمَّت غايات وأهداف فرعية أو مُمهِّدة لهذا الغاية منها :
- إيجاد حلٍّ وسط يُرضي الأطراف .
- التعرُّف على وجهات نظر الطرف
أو الأطراف الأخرى ، وهو هدف تمهيدي هام .
- البحث والتنقيب ، من أجل الاستقصاء والاستقراء
في تنويع الرُّؤى والتصورات المتاحة ، من أجل
الوصول إلى نتائج أفضل وأمْكَنَ ، ولو في حوارات تالية .



وقوع الخلاف بين الناس


الخلاف واقع بين الناس في مختلف الأعصار
والأمصار ، وهو سنَّة الله في خلقه ،
فهم مختلفون في ألوانهم وألسنتهم وطباعهم
ومُدركاتهم ومعارفهم وعقولهم ، وكل ذلك آية
من آيات الله ، نبَّه عليه القرآن الكريم
في قوله تعالى :
{ وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ
وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْعَالِمِينَ } (الروم:22)
وهذا الاختلاف الظاهريّ دالُّ على الاختلاف في الآراء
والاتجاهات والأعراض . وكتاب الله العزيز يقرر هذا
في غير ما آية ؛ مثل قوله سبحانه :
{ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118)
إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ } (هود:119) .
يقول الفخر الرازي : ( والمراد اختلاف
الناس في الأديان والأخلاق والأفعال ) .
ومن معنى الآية : لو شاء الله جعل الناس على دين واحد
بمقتضى الغريزة والفطرة .. لا رأي لهم فيه ولا اختيار ..
وإِذَنْ لما كانوا هذا النوع من الخلق المُسمّى البشر ؛
بل كانوا في حيلتهم الاجتماعية كالنحل أو كالنمل ،
ولكانوا في الرّوح كالملائكة ؛ مفطورين على اعتقاد
الحقِّ والطاعة ؛ لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ،
لا يقع بينهم اختلاف ولا تنازع . ولكنّ الله خلقهم بمقتضى
حكمته كاسبين للعلم لا مُلْهَمين . عاملين بالاختيار ،
وترجيح بعض المُمْكنات المتعارضات على بعض ؛
لا مجبورين ولا مضطرين . وجعلهم متفاوتين
في الاستعداد وكسب العلم واختلاف الاختيار .
أما قوله تعالى : { وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ } (هود:119) .
فلتعلموا أن اللام ليست للغاية ؛ فليس المُراد أنه سبحانه
خلقهم ليختلفوا ، إذ من المعلوم أنه خلقهم لعبادته وطاعته .
وإنما اللام للعاقبة والصَّيْرورة ؛ أي لثمرة الاختلاف خلقهم ،
وثمرته أن يكونوا فريقين : فريقاً في الجنة ، وفريقاً في السعير .
وقدّ تُحْملُ على التعليل من وجه آخر ، أي خلقهم ليستعدَّ
كلٌ منهم لشأنٍ وعمل ، ويختار بطبعه أمراً وصنعة ،
مما يَسْتَتِبُّ به نظام العالم ويستقيم به أمر المعاش ،
فالناس محامل لأمر الله ، ويتخذ بعضهم يعضاً سخرياً .
خلقوا مستعدين للاختلاف والتفرق في علومهم ومعارفهم
وآرائهم ومشاعرهم ، وما يتبع ذلك من إراداتهم واختيارهم
في أعمالهم ، ومن ذلك الإيمان ، والطاعة والمعصية .




وضوح الحق وجلاؤه


وعلى الرغم من حقيقة وجود هذا التَّبايُن بين الناس ؛
في عقولهم ومُدركاتهم وقابليتهم للاختلاف ،
إلا أن الله وضع على الحقِّ معالمَ ، وجعل على الصراط
المستقيم منائرَ .. وعليه حُمِلَ الاستثناء في الآية
في قوله : { إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ } (هود:119) .
وهو المنصوص عليه في الآية الأخرى في قوله :
{ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ }
(البقرة:213) .
وذلك أن النفوس إذا تجرَّدت من أهوائها ،
وجدَّت في تَلَمُّس الحقِّ فإنها مَهْديَّةٌ إليه ؛
بل إنّ في فطرتها ما يهديها ، وتأمَّل ذلك
في قوله تعالى :
{ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ
عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ
وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ } (الروم:30) .
ومنه الحديث النبوي :
(( ما من مولود إلا يُولدُ على الفِطْرة ، فأبواه يُهوّدانه ،
ويُنَصِّرانه ، ويُمجِّسانه ، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء ،
هل تُحِسّون فيها من جَدْعاء حتى أنتم تجدعونها ؟ )) .
ويُوضح ذلك ، أن أصول الدين ، وأمَّهات الفضائل ،
وأمَّهات الرذائل ، مما يتفق العالم الرشيد العاقل
على حُسْن محموده وحمده ، والاعتراف بعظيم نفعه ،
وتقبيح سيِّئه وذمِّه . كل ذلك في عبارات جليَّة واضحة ،
ونصوصِ بينِّة لا تقبل صرفاً ولا تأويلاً ولا جدلاً ولا مراءاً .
وجعلها أمّ الكتاب التي يدور عليها وحولها كل ما جاء
فيه من أحكام ، ولم يُعذَرْ أحد في الخروج عليها ،
وحَذَّر من التلاعب بها ، وتطويعها للأهواء والشهوات والشبهات
بتعسف التأويلات والمُسوِّغات ، مما سنذكره كأصل
من أصول الحوار ، ورفع الحرج عنهم ، بل جعل للمخطيء
أجراً وللمصيب أجرين تشجيعاً للنظر والتأمل ،
وتَلَمُّس الحقّ واستجلاء المصالح الراجحة للأفراد والجماعات .
ولربك في ذلك الحكمة البالغة والمشيئة النافذة .



مواطن الاتفاق


إنّ بِدْءَ الحديث والحوار بمواطن الاتفاق طريق إلى كسب
الثقة وفُشُوِّ روح التفاهم . ويصير به الحوار هادئاً وهادفاً .
الحديث عن نقاط الاتفاق وتقريرها يفتح آفاقاً من التلاقي
والقبول والإقبال ، مما يقلّل الجفوة ويردم الهُوَّة ويجعل
فرص الوفاق والنجاح أفضل وأقرب ،
كما يجعل احتمالات التنازع أقل وأبعد .

والحال ينعكس لو استفتح المُتحاورون بنقاط الخلاف
وموارد النزاع ، فلذلك يجعل ميدان الحوار ضيقاً
وأمده قصيراً ، ومن ثم يقود إلى تغير القلوب
وتشويش الخواطر ، ويحمل كل طرف على التحفُّز
في الرد على صاحبه مُتتبِّعاً لثغراته وزَلاته ،
ومن ثم ينبري لإبرازها وتضخيمها ، ومن ثم يتنافسون
في الغلبة أكثر مما يتنافسون في تحقيق الهدف .
ومما قاله بعض المُتمرّسين في هذا الشأن :
دَعْ صاحبك في الطرف الآخر يوافق ويجيب بـ ( نعم ) ،
وحِلْ ما استطعت بينه وبين ( لا ) ؛ لأن كلمة ( لا ) عقبة
كؤود يصعب اقتحامها وتجاوزها ،
فمتى قال صاحبك : ( لا ) ؛
أوجَبَتْ عليه كبرياؤه أن يظلّ مناصراً لنفسه .
إن التلفظ بـ ( لا ) ليس تفوُّها مجرداً بهذين الحرفين ،
ولكنه تَحفُّز لكيان الإنسان بأعصابه وعضلاته وغدده ،
إنه اندفاع بقوة نحو الرفض ،
أما حروف ( نعم ) فكلمة سهلة رقيقة
رفيقة لا تكلف أي نشاط جسماني ( 5 ) .
ويُعين على هذا المسلك ويقود إليه ؛
إشعارك مُحدثَّك بمشاركتك له في بعض قناعاته ؛
والتصريح بالإعجاب بأفكاره الصحيحة وأدلته الجيدة
ومعلوماته المفيدة ، وإعلان الرضا والتسليم بها .
وهذا كما سبق يفتح القلوب ويُقارب الآراء ،
وتسود معه روح الموضوعية والتجرد .
وقد قال علماؤنا : إن أكثر الجهل إنما يقع في النفي ؛
الذي هو الجحود والتكذيب ؛ لا في الإثبات ،
لأن إحاطة الإنسان بما يُثْبتُه أيسر من إحاطته بما ينفيه ؛
لذا فإن أكثر الخلاف الذي يُورث الهوى نابع ؛
من أن كل واحد من المختلفين مصيب فيما يُثْبته
أو في بعضه ، مخطيء في نفي ما عليه الآخر .

يـــتــــــبــــــع

وعد العبدالله

وعد العبدالله
24-04-2005, 04:18 PM
http://www.al-wed.com/pic/7732.gif
أصول الحوار

الأصل الأول

سلوك الطرق العلمية والتزامها ، ومن هذه الطرق

1- تقديم الأدلة المُثبِتة أو المرجِّحة للدعوى .
2- صحة تقديم النقل في الأمور المنقولة .
وفي هذين الطريقين جاءت القاعدة
الحوارية المشهورة :
( إن كنت ناقلاً فالصحة ، وإن كنت مدَّعيّاً فالدليل ) .
وفي التنزيل جاء قوله سبحانه :
{ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ }
وفي أكثر من سورة :البقرة :111 ، والنمل 64 .
{ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي }
(الانبياء:24) .
{ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } (آل عمران:93) .


الأصل الثاني



سلامة كلامِ المناظر ودليله
من التناقض ؛ فالمتناقض ساقط بداهة .
ومن أمثلة ذلك ما ذكره بعض أهل التفسير من :



1- وصف فرعون لموسى عليه السلام بقوله :
{ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ } (الذريات:39) .
وهو وصف قاله الكفار – لكثير من الأنبياء
بما فيهم كفار الجاهلية – لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم .
وهذان الوصفان السحر والجنون لا يجتمعان ،
لأن الشأن في الساحر العقل والفطنة والذكاء ،
أما المجنون فلا عقل معه البته ، وهذا منهم تهافت وتناقض بيّن .
2- نعت كفار قريش لآيات محمد صلى الله عليه وسلم
بأنها سحر مستمر ، كما في قوله تعالى :
{ وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ } (القمر:2) .
وهو تناقض ؛ فالسحر لا يكون مستمراً ، والمستمر لا يكون سحراً .


الأصل الثالث



ألا يكون الدليل هو عين الدعوى ، لأنه إذا كان كذلك
لم يكن دليلاً ، ولكنه اعادة للدعوى بألفاظ وصيغ أخرى .
وعند بعض المُحاورين من البراعة في تزويق الألفاظ
وزخرفتها ما يوهم بأنه يُورد دليلاً . وواقع الحال أنه
إعادة للدعوى بلفظ مُغاير ، وهذا تحايل
في أصول لإطالة النقاش من غير فائدة .


الأصل الرابع



الاتفاق على منطلقات ثابتة وقضايا مُسَلَّمة .
وهذه المُسَلَّمات والثوابت قد يكون مرجعها ؛
أنها عقلية بحتة لا تقبل
النقاش عند العقلاء المتجردين ؛
كحُسْنِ الصدق ، وقُبحِ الكذب ،
وشُكر المُحسن ، ومعاقبة المُذنب .
أو تكون مُسَلَّمات دينية لا يختلف
عليها المعتنقون لهذه الديانة أو تلك .
وبالوقوف عند الثوابت والمُسَلَّمات ، والانطلاق منها يتحدد
مُريد الحق ممن لا يريد إلا المراء والجدل والسفسطة .
ففي الإسلام الإيمان بربوبية الله وعبوديَّته ،
واتَّصافه بصفات الكمال ، وتنزيهه عن صفات النقص ،
ونبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، والقرآن الكريم كلام الله ،
والحكم بما أنزل الله ، وحجاب المرأة ، وتعدد الزوجات ،
وحرمة الربا ، والخمر ، والزنا ؛ كل هذه قضايا مقطوع
بها لدى المسلمين ، وإثباتها شرعاً أمر مفروغ منه .
إذا كان الأمر كذلك ؛ فلا يجوز أن تكون هذه محل
حوار أو نقاش مع مؤمن بالإسلام لأنها محسومة .
فقضية الحكم بما أنزل الله منصوص عليها بمثل :
{ فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ... }
(النساء:65) .
{ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ } (المائدة:45) .



وحجاب المرأة محسوم بجملة نصوص



{ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ
الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ } (الأحزاب:59) .
وقد يسوغ النقاش في فرعيات من الحجاب ؛
كمسألة كشف الوجه ، فهي محل
اجتهاد ؛ أما أصل الحجاب فليس كذلك .
الربا محسوم ؛ وقد يجري النقاش
والحوار في بعض صوره وتفريعاته .
ومن هنا فلا يمكن لمسلم أن يقف على مائدة حوار
مع شيوعي أو ملحد في مثل هذه القضايا ؛
لأن النقاش معه لا يبتدئ من هنا ، لأن هذه القضايا
ليست عنده مُسَلَّمة ، ولكن يكون النقاش
معه في أصل الديانة ؛ في ربوبيَّة الله ،
وعبوديَّة ونبوّة محمد صلى الله عليه وسلم ،
وصِدْق القرآن الكريم وإعجازه .
ولهذا فإننا نقول إن من الخطأ – غير المقصود
– عند بعض المثقفين والكاتبين إثارة هذه القضايا ،
أعني : تطبيق الشريعة – الحجاب – تعدد الزوجات
– وأمثالها في وسائل الإعلام ، من صحافة وإذاعة
على شكل مقالات أو ندوات بقصد إثباتها أو صلاحيتها .
أما إذا كان المقصود : النظر في حِكَمِها وأسرارها
وليس في صلاحيتها وملاءمتها فهذا لا حرج فيه ،
إذْ :{ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ
أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ }(الأحزاب:36)
وأخيراً فينبني على هذا الأصل ؛ أن الإصرار على إنكار
المُسلَّمات والثوابت مكابرة قبيحة ، ومجاراة منحرفة
عن أصول الحوار والمناظرة ، وليس ذلك شأن طالبي الحق .


الأصل الخامس



التجرُّد ، وقصد الحق ، والبعد
عن التعصب ، والالتزام بآداب الحوار :
إن إتباع الحق ، والسعي للوصول إليه ،
والحرص على الالتزام ؛ وهو الذي يقود الحوار
إلى طريق مستقيم لا عوج فيه ولا التواء ،
أو هوى الجمهور ، أو الأتْباع .. والعاقل
– فضلاً عن المسلم – الصادق طالبٌ حقٍّ ،
باحثٌ عن الحقيقة ، ينشد الصواب ويتجنب الخطأ .
يقول الغزاليّ أبو حامد :
( التعاون على طلب الحق من الدّين ، ولكن له شروط وعلامات ؛
منها أن يكون في طلب الحق كناشد ضالّة ، لا يفرق بين أن تظهر
الضالّة على يده أو على يد معاونه . ويرى رفيقه معيناً لا خصماً .
ويشكره إذا عرَّفه الخطأ وأظهره له ) .. الإحياء ج1 .
ومن مقولات الإمام الشافعي المحفوظة :
( ما كلمت أحداً قطّ إلا أحببت أن يُوفّق ويُسدّد ويُعان ،
وتكون عليه رعاية الله وحفظه .
وما ناظرني فبالَيْتُ ! أَظَهَرَتِ الحجّةُ على لسانه أو لساني ) .
وفي ذمّ التعصب ولو كان للحق ، يقول الغزالي :
( إن التعصّب من آفات علماء السوء ، فإنهم يُبالغون
في التعصّب للحقّ ، وينظرون إلى المخالفين بعين
الازدراء والاستحقار ، فتنبعث منهم الدعوى بالمكافأة
والمقابلة والمعاملة ، وتتوفر بواعثهم على طلب نُصرة الباطل ،
ويقوى غرضهم في التمسك بما نُسبوا إليه . ولو جاؤوا من جانب
اللطف والرحمة والنصح في الخلوة ، لا في معرض التعصب والتحقير
لأنجحوا فيه ، ولكن لمّا كان الجاه لا يقوم إلا بالاستتباع ، ولا يستميل
الأتْباع مثلُ التعصّب واللعن والتّهم للخصوم ، اتخذوا التعصب عادتهم وآلتهم ) .
والمقصود من كل ذلك أن يكون الحوار بريئاً من التعصّب خالصاً لطلب الحق ،
خالياً من العنف والانفعال ، بعيداً عن المشاحنات الأنانية
والمغالطات البيانيّة ، مما يفسد القلوب ، ويهيج النفوس ، ويُولد النَّفرة ،
ويُوغر الصدور ، وينتهي إلى القطيعة .
وهذا الموضوع سوف يزداد بسطاً حين الحديث عن آداب الحوار إن شاء الله .


الأصل السادس


أهلية المحاور



إذا كان من الحق ألا يمنع صاحب الحق عن حقه ،
فمن الحق ألا يعطى هذا الحق لمن لا يستحقه ،
كما أن من الحكمة والعقل والأدب في الرجل
ألا يعترض على ما ليس له أهلاً ،
ولا يدخل فيما ليس هو فيه كفؤاً .


من الخطأ أن يتصدى للدفاع عن الحق من كان على الباطل .
من الخطأ أن يتصدى للدفاع عن الحق من لا يعرف الحق .
من الخطأ أن يتصدى للدفاع عن الحق من لا يجيد الدفاع عن الحق .
من الخطأ أن يتصدى للدفاع عن الحق من لا يدرك مسالك الباطل .
إذن ، فليس كل أحد مؤهلاً للدخول في حوار صحي
صحيح يؤتي ثماراً يانعة ونتائج طيبة .
والذي يجمع لك كل ذلك : ( العلم ) ؛ فلا بد من التأهيل
العلمي للمُحاور ، ويقصد بذلك التأهيل العلمي المختص .
إن الجاهل بالشيء ليس كفؤاً للعالم به ، ومن لا يعلم
لا يجوز أن يجادل من يعلم ، وقد قرر هذه
الحقيقة إبراهيم عليه السلام في محاجَّته لأبيه حين قال :
{ يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ
مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً}(مريم:43).
وإن من البلاء ؛ أن يقوم غير مختص
ليعترض على مختص ؛ فيُخَطِّئه ويُغَلِّطه .
وإن حق من لا يعلم أن يسأل ويتفهم ، لا أن يعترض
ويجادل بغير علم ، وقد قال موسى عليه السلام للعبد الصالح :
{ قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً } (الكهف:66) .
فالمستحسن من غير المختص ؛ أن يسأل ويستفسر ، ويفكر
ويتعلم ويتتلمذ ويقف موقف موسى مع العبد الصالح .
وكثير من الحوارات غير المنتجة مردُّها إلى عدم التكافؤ
بين المتحاورين ، ولقد قال الشافعي رحمه الله :
( ما جادلت عالماً إلا وغلبته ، وما جادلني جاهل إلا غلبني ! ) .
وهذا التهكم من الشافعي رحمه الله يشير إلى الجدال العقيم ؛
الذي يجري بين غير المتكافئين .



الأصل السابع



قطعية النتائج ونسبيَّتها :




من المهم في هذا الأصل إدراك أن الرأي الفكري
نسبيُّ الدلالة على الصواب أو الخطأ ، والذي لا يجوز
عليهم الخطأ هم الأنبياء عليهم السلام فيما يبلغون
عن ربهم سبحانه وتعالى . وما عدا ذلك فيندرج تحت
المقولة المشهورة ( رأيي صواب يحتمل الخطأ ،
ورأي الآخر خطأ يحتمل الصواب ) .
وبناء عليه ؛ فليس من شروط الحوار الناجح أن ينتهي
أحد الطرفين إلى قول الطرف الآخر . فإن تحقق هذا
واتفقنا على رأي واحد فنعم المقصود ،
وهو منتهى الغاية . وإن لم يكن فالحوار ناجح .
إذا توصل المتحاوران بقناعة إلى قبول كلٍ من منهجيهما ؛
يسوغ لكل واحد منهما التمسك به ما دام
أنه في دائرة الخلاف السائغ . وما تقدم من حديث
عن غاية الحوار يزيد هذا الأصل إيضاحاً .
وفي تقرير ذلك يقول ابن تيمية رحمه الله :
( وكان بعضهم يعذر كل من خالفه في مسائل الاجتهادية ،
ولا يكلفه أن يوافقه فهمه ) ا هـ . من المغني .
ولكن يكون الحوار فاشلاً إذا انتهى إلى نزاع وقطيعة ،
وتدابر ومكايدة وتجهيل وتخطئة .

يـــتــــــبــــــع

وعد العبدالله

وعد العبدالله
24-04-2005, 04:20 PM
http://www.al-wed.com/pic/7732.gif



الأصل الثامن



الرضا والقبول بالنتائج التي يتوصل إليها
المتحاورون ، والالتزام الجادّ بها ، وبما يترتب عليها .
وإذا لم يتحقق هذا الأصل كانت المناظرة
ضرباً من العبث الذي يتنزه عنه العقلاء .
يقول ابن عقيل :
( وليقبل كل واحد منهما من صاحبه الحجة ؛
فإنه أنبل لقدره ، وأعون على إدراك الحق وسلوك سبيل الصدق .
قال الشافعي رضي الله عنه : ما ناظرت أحداً فقبل مني الحجَّة
إلا عظم في عيني ، ولا ردَّها إلا سقط في عيني ) .




آداب الحوار


1- التزام القول الحسن ، وتجنب منهج التحدي والإفحام




إن من أهم ما يتوجه إليه المُحاور في حوار ،
التزام الحُسنى في القول والمجادلة ،
ففي محكم التنزيل :
{ وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَن }(الاسراء :53) .
{ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَن } (النحل: 125) .
{ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً }(البقرة :83) .
فحق العاقل اللبيب طالب الحق ، أن ينأى بنفسه
عن أسلوب الطعن والتجريح والهزء والسخرية ،
وألوان الاحتقار والإثارة والاستفزاز .
ومن لطائف التوجيهات الإلهية لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم
في هذا الباب ، الانصراف عن التعنيف في الردّ على أهل الباطل ،
حيث قال الله لنبيه : { وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ) (68)
اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ } (الحج : 68-69 ) .
وقوله : { وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ }(سـبأ:24) .
مع أن بطلانهم ظاهر ، وحجتهم داحضة .
ويلحق بهذا الأصل : تجنب أسلوب التحدي والتعسف في الحديث ،
ويعتمد إيقاع الخصم في الإحراج ، ولو كانت الحجة بينه والدليل دامغاً ..
فإن كسب القلوب مقدم على كسب المواقف .
وقد تُفْحِم الخصم ولكنك لا تقنعه ، وقد تُسْكِته بحجة ولكنك
لا تكسب تسليمه وإذعانه ، وأسلوب التحدي يمنع التسليم ،
ولو وُجِدَت القناعة العقلية . والحرص على القلوب واستلال
السخائم أهم وأولى عند المنصف العاقل من استكثار الأعداء
واستكفاء الإناء . وإنك لتعلم أن إغلاظ القول ، ورفع الصوت ،
وانتفاخ الأوداج ، لا يولِّد إلا غيظاً وحقداً وحَنَقاً . ومن أجل هذا
فليحرص المحاور ؛ ألا يرفع صوته أكثر من الحاجة فهذا رعونة
وإيذاء للنفس وللغير ، ورفع الصوت لا يقوّي حجة ولا يجلب دليلاً
ولا يقيم برهاناً ؛ بل إن صاحب الصوت العالي لم يَعْلُ صوته
– في الغالب – إلا لضعف حجته وقلة بضاعته ، فيستر عجزه
بالصراخ ويواري ضعفه بالعويل . وهدوء الصوت عنوان
العقل والاتزان ، والفكر المنظم والنقد الموضوعي ، والثقة الواثقة .
على أن الإنسان قد يحتاج إلى التغيير من نبرات صوته
حسب استدعاء المقام ونوع الأسلوب ، لينسجم الصوت
مع المقام والأسلوب ، استفهامياً كان ، أو تقريرياً
أو إنكارياً أو تعجبياً ، أو غير ذلك . مما يدفع الملل والسآمة ،
ويُعين على إيصال الفكرة ، ويجدد التنبيه لدى المشاركين والمتابعين .
على أن هناك بعض الحالات الاستثنائية التي يسوغ فيها اللجوء
إلى الإفحام وإسكات الطرف الآخر ؛ وذلك فيما إذا استطال وتجاوز الحد ،
وطغى وظلم وعادى الحق ، وكابر مكابرة بيِّنة ، وفي مثل هذا جاءت الآية الكريمة :
{ وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ } (العنكبوت: 46) .
{ لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِم } (النساء: من الآية148)


ففي حالات الظلم والبغي والتجاوز ، قد يُسمح بالهجوم
الحادّ المركز على الخصم وإحراجه ، وتسفيه رأيه ؛
لأنه يمثل الباطل ، وحَسَنٌ أن يرى الناس الباطل مهزوماً مدحوراً .
وقبل مغادرة هذه الفقرة من الأدب ، لا بد من الاشارة
إلى ما ينبغي من العبد من استخدام ضمير المتكلم أفراداً أو جمعاً ؛
فلا يقول : فعلتُ وقلتُ ، وفي رأيي ، ودَرَسْنا ، وفي تجربتنا ؛
فهذا ثقيل في نفوس المتابعين ، وهو عنوان على الإعجاب بالنفس ،
وقد يؤثر على الإخلاص وحسن القصد ، والناس تشمئز من المتعالم
المتعالي ، ومن اللائق أن يبدلها بضمير الغيبة
فيقول : يبدوا للدارس ، وتدل تجارب العاملين ،
ويقول المختصون ، وفي رأي أهل الشأن ، ونحو ذلك .
وأخيرا فمن غاية الأدب واللباقة في القول وإدارة الحوار
ألا يَفْتَرِضَ في صاحبه الذكاء المفرط ، فيكلمه بعبارات مختزلة ،
وإشارات بعيدة ، ومن ثم فلا يفهم . كما لا يفترض فيه الغباء
والسذاجة ، أو الجهل المطبق ؛ فيبالغ في شرح مالا يحتاج
إلى شرح وتبسيط مالا يحتاج إلى بسط .
ولا شك أن الناس بين ذلك درجات في عقولهم وفهومهم ،
فهذا عقله متسع بنفس رَحْبة ، وهذا ضيق العَطَنْ ،
وآخر يميل إلى الأحوط في جانب التضييق ،
وآخر يميل إلى التوسيع ، وهذه العقليات والمدارك
تؤثر في فهم ما يقال . فذو العقل اللمّاح يستوعب ويفهم
حرفية النص وفحواه ومراد المتكلم
وما بين السطور ، وآخر دون ذلك بمسافات .
ولله الحكمة البالغة في اختلاف
الناس في مخاطباتهم وفهومهم .



2- الالتزام بوقت محدد في الكلام




ينبغي أن يستقر في ذهن المُحاور ألا يستأثر بالكلام ،
ويستطيل في الحديث ، ويسترسل بما يخرج به
عن حدود اللباقة والأدب والذوق الرفيع .
يقول ابن عقيل في كتابه فن الجدل :
( وليتناوبا الكلام مناوبة لا مناهبة ،
بحيث ينصت المعترض للمُستَدِلّ حتى يفرغ من تقريره للدليل ،
ثم المُستدِلُّ للمعترض حتى يُقرر اعتراضه ، ولا يقطع أحد منها
على الآخر كلامه وإن فهم مقصوده من بعضه ) .
وقال : ( وبعض الناس يفعل هذا تنبيهاً للحاضرين على فطنته
وذكائه وليس في ذلك فضيلة إذ المعاني بعضها مرتبط
ببعض وبعضها دليل على بعض ، وليس ذلك علم غيب ،
أو زجراً صادقاً ، أو استخراج ضمير حتى يفتخر به ) ( 9 ) .
والطول والاعتدال في الحديث يختلف من ظرف إلى ظرف
ومن حال إلى حال ، فالندوات والمؤتمرات تُحدَّد فيها فرص
الكلام من قبل رئيس الجلسة ومدير الندوة ، فينبغي الإلتزام بذلك .
والندوات واللقاءات في المعسكرات والمنتزهات قد تقبل الإطالة
أكثر من غيرها ، لتهيؤ المستمعين . وقد يختلف
ظرف المسجد عن الجامعة أو دور التعليم الأخرى .



ومن المفيد أن تعلم ؛ أن أغلب أسباب الإطالة
في الكلام ومقاطعة أحاديث الرجال يرجع إلى ما يلي :



1- إعجاب المرء بنفسه .
2- حبّ الشهرة والثناء .
3- ظنّ المتحدث أن ما يأتي به جديد على الناس .
4- قِلَّة المبالاة بالناس في علمهم ووقتهم وظرفهم .
والذي يبدوا أن واحداً منها إذا استقر في نفوس
السامعين كافٍ في صرفهم ،وصدودهم ،
مللهم ، واستثقالهم لمحدِّثهم .
وأنت خبير بأن للسامع حدّاً من القدرة على التركيز
والمتابعة إذا تجاوزها أصابه الملل ،
وانتابه الشُّرود الذّهني . ويذكر بعضهم
أن هذا الحد لا يتجاوز خمس عشرة دقيقة .
ومن الخير للمتحدث أن يُنهي حديثه
هذا خير له من أن تنتظر الناس
انتهاءه وقفل حديثه ، فالله المستعان .

يـــــــتــــــبـــــــع

وعد العبدالله

وعد العبدالله
24-04-2005, 04:21 PM
http://xalqassimx.jeeran.com/subhan1.gif

3- حسن الاستماع وأدب الإنصات وتجنب المقاطعة



كما يطلب الالتزام بوقت محدد في الكلام ،
وتجنب الاطالة قدر الإمكان ، فيطلب حُسن الاستماع ،
واللباقة في الإصغاء ، وعدم قطع حديث المُحاور .
وإنّ من الخطأ أن تحصر همَّك في التفكير فيما ستقوله ،
ولا تُلقي بالاً لمُحدثك ومُحاورك ، وقد قال الحسن
بن علي لابنه ، رضي الله عنهم أجمعين :
( يا بنيّ إذا جالست العلماء ؛ فكن على أن تسمع
أحرص منك على أن تقول ، وتعلًم حُسْنَ الاستماع
كما تتعلم حسن الكلام ، ولا تقطع على أحد حديثاً
– وإن طال – حتى يُمسك ) .
ويقول ابن المقفع :
( تَعلَّمْ حُسن الاستماع كما تتعلم حسن الكلام ؛
ومن حسن الاستماع : إمهال المتكلم حتى ينقضي حديثه .
وقلة التلفت إلى الجواب . والإقبال بالوجه .
والنظر إلى المتكلم . والوعي لما يقول ) .
لا بدّ في الحوار الجيِّد من سماع جيِّد ؛
والحوار بلا حُسْن استماع هو ( حوار طُرْشان )
كما تقول العامة ، كل من طرفيه منعزل عن الآخر .
إن السماع الجيِّد يتيح القاعدة الأساسية لالتقاء الآراء ،
وتحديد نقاط الخلاف وأسبابه . حسن الاستماع يقود
إلى فتح القلوب ، واحترام الرجال وراحة النفوس ،
تسلم فيه الأعصاب من التوتر والتشنج ،
كما يُشْعِرُ بجدّية المُحاور ، وتقدير المُخالف ،
وأهمية الحوار . ومن ثم يتوجه الجميع
إلى تحصيل الفائدة والوصول إلى النتيجة




4- تقدير الخصم واحترامه




ينبغي في مجلس الحوار التأكد على الاحترام
المتبادل من الأطراف ، وإعطاء كل ذي حق حقه ،
والاعتراف بمنزلته ومقامه ، فيخاطب بالعبارات اللائقة ،
والألقاب المستحقة ، والأساليب المهذبة .
إن تبادل الاحترام يقود إلى قبول الحق ،
والبعد عن الهوى ، والانتصار للنفس .
أما انتقاص الرجال وتجهيلها فأمر مَعيب مُحرّم .
وما قيل من ضرورة التقدير والاحترام ، لا ينافي النصح ،
وتصحيح الأخطاء بأساليبه الرفيعة وطرقه الوقورة .
فالتقدير والاحترام غير المَلَقِ الرخيص ، والنفاق المرذول ،
والمدح الكاذب ، والإقرار على الباطل .
ومما يتعلق بهذه الخصلة الأدبية أن يتوجه النظر وينصرف
الفكر إلى القضية المطروحة ليتم تناولها بالبحث والتحليل
والنقد والإثبات والنَّقص بعيداً عن صاحبها أو قائلها ،
كل ذلك حتى لا يتحول الحوار إلى مبارزة كلامية ؛
طابعها الطعن والتجريح والعدول عن مناقشة القضايا
والأفكار إلى مناقشات التصرفات ، والأشخاص ،
والشهادات ، والمؤهلات والسير الذاتية .




5- حصر المناظرات في مكان محدود




يذكر أهل العلم أن المُحاورات والجدل ينبغي أن يكون
في خلوات محدودة الحضور ؛
قالوا : وذلك أجمع للفكر والفهم ، وأقرب لصفاء الذهن ،
وأسلم لحسن القصد ، وإن في حضور الجمع الغفير
ما يحرك دواعي الرياء ، والحرص على الغلبة بالحق أو بالباطل .
ومما استدل به على ذلك قوله تعالى :
{ قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا }
(سبأ:46) .
قالوا : لأن الأجواء الجماهيرية والمجتمعات المتكاثرة تُغطي الحق ،
وتُشوِّش الفكر ، والجماهير في الغالب فئات غير مختصة ؛
فهي أقرب إلى الغوغائية والتقليد الأعمى ، فَيَلْتَبسُ الحق .
أما حينما يكون الحديث مثنى وفرادى وأعداداً متقاربة
يكون أدعى إلى استجماع الفكر والرأي ، كما أنه أقرب
إلى أن يرجع المخطيء إلى الحق ،
ويتنازل عما هو فيه من الباطل أو المشتبه .
بخلاف الحال أمام الناس ؛ فقد يعزّ عليه التسليم
والاعتراف بالخطأ أما مُؤيِّديه أو مُخالفيه .
ولهذا وُجِّه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في هذه الآية
أن يخاطب قومه بهذا ؛ لأن اتهامهم له كانت اتهامات
غوغائية ، كما هي حال الملأ المستكبرين مع الأنبياء السابقين .
ومما يوضح ذلك ما ذكرته كتب السير أن أبا سفيان بن حرب
وأبا جهل بن هشام ، والأخنس بن شريق بن عمرو بن وهب الثقفي ،
خرجوا ليلة ليستمعوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
وهو يصلي بالليل في بيته ، فأخذ كل واحد منهم مجلساً
يستمع فيه ، وكلٌ لا يعلم بمكان صاحبه ، فباتوا يستمعون له ،
حتى إذا طلع الفجر تفرقوا ، حتى إذا جمعتهم الطريق تلاوموا ؛
وقال بعضهم لبعض لا تعودوا ، فلو رآكم بعض
سفهائكم لأوقعتم في نفسه شيئاً ،ثم انصرفوا .


حتى إذا كانت الليلة الثانية ، عاد كل رجل منهم إلى مجلسه ،
فباتوا يستمعون له ، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا ،
فجمعتهم الطريق ، فقال بعضهم لبعض مثل ما قال أول مرة ،
ثم انصرفوا . حتى إذا كانت الليلة الثالثة أخذ كل رجل مجلسه ،
فباتوا يستمعون له ، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا ،
فجمعتهم الطريق ، فقال بعضهم لبعض :
لا نبرح حتى نتعاهد لا نعود . فتعاهدوا على ذلك . ثم تفرقوا .
فلما أصبح الأخنس بن شريق أخذ عصاه ثم خرج ،
حتى أتى أبا سفيان بن حرب في بيته
فقال : أخبرني يا أبا حنظلة عن رأيك فيما سمعت من محمد ؟
قال : يا أبا ثعلبه ، والله لقد سمعت أشياء أعرفها وأعرف ما يُراد بها ،
وسمعت أشياء ما عرفت معناها ولا ما يُراد بها .
قال ألخنس : وأنا والذي حَلَفْتَ به ! .
قال : ثم خرج من عنده حتى أتى أبا جهل ،
فدخل عليه بيته فقال : يا أبا الحكم ما رأيك فيما سمعت من محمد ؟
قال : ماذا سمعت ! تنازعنا نحن وبنو عبدمناف الشرف ؛
أطعموا فأطعمنا ، وحملوا فحملنا ، وأعطوا فأعطينا ،
حتى إذا تجاثينا على الرُّكَب وكنّا كفرسيّ رهان ،
قالوا منّا نبي يأتيه الوحي من السماء ! فمتى نُدرك هذا ؟!
والله لا نؤمن به ولا نصدقه . قال : فقام عنه الأخنس وتركه .




6 – الإخلاص




هذه الخصلة من الأدب متمِّمة لما ذكر من أصل التجرد
في طلب الحق ، فعلى المُحاور ان يوطِّن نفسه ،
ويُروِّضها على الإخلاص لله في كل ما يأتي
وما يذر في ميدان الحوار وحلبته .



ومن أجلى المظاهر في ذلك :



أن يدفع عن نفسه حب الظهور والتميُّز على الأقران ،
وإظهار البراعة وعمق الثقافة ، والتعالي على النظراء
والأنداد . إن قَصْدَ انتزاع الإعجاب والثناء واستجلاب
المديح ، مُفسد للأمر صارف عن الغاية .



وسوف يكون فحص النفس دقيقاً
وناجحاً لو أن المُحاور توجه لنفسه بهذه الأسئلة :



- هل ثمَّت مصلحة ظاهرة تُرجى من هذا النقاش وهذه المشاركة . ؟
- هل يقصد تحقيق الشهوة أو اشباع الشهوة في الحديث والمشاركة . ؟
- وهل يتوخَّى أن يتمخض هذا الحوار والجدل عن نزاع وفتنة ،
وفتح أبواب من هذه الألوان حقهَّا أن تسدّ .؟
ومن التحسس الدقيق والنصح الصادق للنفس أن يحذر بعض التلبيسات
النفسية والشيطانية فقد تتوهم بعض النفوس أنها تقصد إحقاق الحق ،
وواقع دخيلتها أنها تقف مواقف إنتصارِ ذاتٍ وهوى .
ويدخل في باب الاخلاص والتجرد توطين النفس على الرضا والارتياح
إذا ظهر الحق على لسان الآخر ورأيه ، ويعينه على ذلك أن يستيقن
أن الآراء والأفكار ومسالك الحق ليست ملكاً لواحد أو طائفة ،
والصواب ليس حكراً على واحد بعينه . فهمُّ المخلص ومهمته
أن ينتشر الحق في كل مكان ،
ومن أيّ مكان ، ومن أيّ وعاء ، وعلى أيّ فم .
إن من الخطأ البيِّن في هذا الباب أن تظن أنّ الحق لا يغار
عليه إلا أنت ، ولا يحبه إلا أنت ، ولا يدافع عنه
إلا أنت ، ولا يتبناه إلا أنت ، ولا يخلص له إلا أنت .

ومن الجميل ، وغاية النبل ، والصدق الصادق مع النفس ،
وقوة الإرادة ، وعمق الإخلاص ؛ أن تُوقِفَ الحوار
إذا وجدْت نفسك قد تغير مسارها ودخلتْ
في مسارب اللجج والخصام ، ومدخولات النوايا .



وهذا ما تيسر تدوينه والله وليُّ التوفيق ،
وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم .



نقل للفائده من

أصول الحوار وآدابه في الإسلام ..

لفضيلة الشيخ صالح بن عبدالله بن حميد

وعد العبدالله

مروان صالح
23-05-2005, 12:53 PM
بارك الله فيك على الموضوع القيم جله الله في ميزان حسناتك